الغزالي
26
إحياء علوم الدين
القذرة مثل هذا الآدمي المصور ، العاقل ، المتكلم ، المتصرف ، لاشتد نفور باطنه عن التصديق به . ولذلك قال الله تعالى * ( أَولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه ُ من نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ) * « 1 » وقال تعالى * ( أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً من مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْه ُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى ) * « 2 » ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه ، واختلاف تركيب أعضائه ، أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته . فكيف ينكر ذلك من قدرة الله تعالى وحكمته من يشاهد ذلك في صنعته وقدرته ! فإن كان في إيمانك ضعف فقوّ الإيمان بالنظر في النشأة الأولى ، فإن الثانية مثلها وأسهل منها . وإن كنت قوىّ الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار ، وأكثر فيها التفكر والاعتبار ، لتسلب عن قلبك الراحة والقرار ، فتشتغل بالتشمر للعرض على الجبار ، وتفكر أولا فيما يقرع سمع سكان القبور ، من شدة نفخ الصور ، فإنها صيحة واحدة تنفرج بها القبور عن رؤس الموتى ، فيثورون دفعة واحدة ، فتوهم نفسك وقد وثبت متغيرا وجهك ، مغبرا بدنك من فرقك إلى قدمك من تراب قبرك ، مبهوتا من شدة الصعقة ، شاخص العين نحو النداء ، وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي طال فيها بلاؤهم ، وقد أزعجهم الفزع والرعب مضافا إلى ما كان عندهم من الهموم ، والغموم ، وشدة الانتظار لعاقبة الأمر ، كما قال تعالى * ( ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ ومن في الأَرْضِ إِلَّا من شاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيه ِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ) * « 3 » وقال تعالى * ( فَإِذا نُقِرَ في النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ) * « 4 » وقال تعالى * ( ويَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ونُفِخَ في الصُّورِ فَإِذا هُمْ من الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا من بَعَثَنا من مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) * « 5 » فلو لم يكن بين يدي الموتى إلا هول تلك النفخة ، لكان ذلك جديرا بأن يتقى ، فإنها
--> « 1 » يس : 77 « 2 » القيامة : 36 إلى 39 « 3 » الزمر : 68 « 4 » المدثر : 8 إلى 10 « 5 » يس : 48 إلى 52